جلال الدين السيوطي
79
الأشباه والنظائر في النحو
فقلت له : ألا تقول : كأنّها فتحمله على الخطوط أو كأنّهما فتحمله على السواد والبلق ؟ فغضب وقال : كأنّ ذاك بها توليع البهق ، فذهب إلى المعنى والموضع ، فلذلك ذهبوا بذلك إلى السماء ، فأمّا قوله : كأنه فإنّه السواد ، والبلق هو التوليع ، فكأنه قال : كأن هذا التوليع توليع البهق ، وأمّا السّماء والأرض فالعرب تكتفي بالواحد من الجميع ، فإن شئت رددته على المعنى وإن شئت على اللفظ . وأما قوله : كأنّ ذاك فإنّ ذاك لا يكنى به إلّا عن جملة ، وكان هشام وأصحاب الكسائي إذا اتفق الفعل والاسم كنيا بذاك ، وإذا لم يتفق الاسم والفعل لم يفعلوا ، فيقولون : ظننت ذاك ، ولا يقولون : كأن ذاك ، ولا إنّ ذاك ، والفراء يجيزه كله ، لأنه كناية عن الاسم والفعل ، فيقولون : إنّ ذاك وكأنّ ذاك ، وقال : مثل ذلك قوله : [ الكامل ] « 376 » - لو أنّ عصم عمايتين ويذبل * سمعا حديثك أنزلا الأوعالا فشرّك بين الأعصم وعمايتين ويذبل ، ومثل ذلك ممّا أشركوا الاثنين بواحد وجعلوا لفظ عدد تقدير الفعل على تقدير لفظ فعل الفردين المشرّك بينهما قوله في قول من يجعل اللفظ للمضاف إليه : لو أنّ عسم عمايتين ويذبل ، وعمايتان اثنان ويذبل الثالث ، فجعل تقدير لفظ فعلهم المشرك بينهما ، أمّا هذا فإنّ عمايتين موضع ويذبل موضع ، فخبّر عنهما كأنّه قال : فإنّ عصم هذين الموضعين لو سمعا حديثك أنزلا الأوعال منهما ، وقوله « 1 » : [ الطويل ] تذكّرت بشرا والسّماكين أيهما * عليّ من الغيث استهلّت مواطره فجعل السّماكين واحدا ، وفيه تفسيران آخران : إن شئت قلت : بل حمله على الموضع والمعنى ، فردّوه إلى موضعه وإلى واحد ومعناه ، فردّوا السّماوات إلى السماء وعمايتين إلى عماية ، قال أبو العباس : ولو قال : السّماكين نجم فردّه على معنى نجم كان أصلح ، وقوله : أيهما خفيف يريد أيّهما ، فخفّف يريد : تذكّرت السماكين وهذا الرجل أيهما أصابني الغيث من قبله ، وأمّا قوله : ردّ عمايتين على عماية فهو على الموضع أجود ، والسماوات إلى السماء ، فهذا جائز لأنّه يقول : السماء بمعنى السماوات والأرض بمعنى الأرضين ، وقال : هو كما ردّ قوله : [ الرجز ]
--> ( 376 ) - الشاهد لجرير في ديوانه ( ص 50 ) ، والدرر ( 1 / 125 ) ، ومعجم ما استعجم ( ص 966 ) ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ( 2 / 660 ) ، وتذكرة النحاة ( ص 153 ) ، وسرّ صناعة الإعراب ( 1 / 462 ) ، وشرح المفصّل ( 1 / 46 ) ، والمنصف ( 1 / 242 ) ، وهمع الهوامع ( 1 / 42 ) . ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 27 ) .